|
أما زال هناك من يعتقد أنّ أمريكا دولة ديمقراطية؟ |
|
د. منصف المرزوقي |
|
قبل احتلال العراق وبعده كثر اللغط حول نيّة الإدارة الأمريكية زرع الديمقراطية في ربوعنا المتوحشة بل وعلمنا أن الإدارة خصّصت للأمر حفنة من الدولارات وكثيرا من حاملات الطائرات. وقد واجهت أغلبية الأمّة هذا الادعاء بكثير من السخرية لمعرفتها الوثيقة بإدارة لا تعرف عنّا الكثير رغم كثرة عملائها وكثرة الإنفاق عليهم. والحقّ أن حتى من يعرف جزءا من هذا التاريخ، يبقى مشدوها أمام وقاحة الادعاء وضراوة الحرب التي شنّتها الإدارة الأمريكية على امتداد القرن الماضي ضدّ العديد من الأنظمة الديمقراطية (1) خاصة في بلدان العالم الثالث. لقد تمثّلت سياسة هذه الإدارة على تنوّع من تحمل فيها المسؤولية، في التدخل السافر بالانقلاب المنظم ضدّ حكومات ديمقراطية مثل إيران سنة 1953 وقواتيمالا في 1954 والكونغو في 1960 والاكوادور في 1961 وبوليفيا في 1964 واليونان في 1967 وفيدجي في 1987. وتمثلت في استعمال كل ما في جراب المخابرات من تقنيات التخريب والتلاعب والتوظيف والتمويل السرّي والتزييف والتضليل الإعلامي للتحكّم في المسار الديمقراطي وتوظيفه في أكثر من بلد وعلى سبيل العدّ والحصر وانطلاقا مما هو ثابت موثّق ومعروف: الفيليبين سنة 1950، ايطاليا من 1948 الى 1970، لبنان في الخمسينات، اندونيسيا في 1955، فيتنام في 1955، اليابان من 1958 إلى 1970، النيبال في 1959، لاوس في 1960، البرازيل في 1962، جمهورية الدومينيكان في 1962 قواتيمالا في 1963، بوليفيا في 1966، شيلي من 1964- 1970، البرتغال من 1974- 75 استراليا 74 19، جامييكا في 1976، بناما من 1984- 1989، نيكاراقوا في 1984، هايتي في 1978، بلغاريا في 1990، روسيا في 9619، منغوليا في 1996، البوسنيا في 1998. وتمثّلت هذه السياسة أيضا في التغطية على انتهاكات حقوق الإنسان للأنظمة الدكتاتورية الصديقة ومساندتها مثل ما وقع طيلة عقود في التعامل مع النظام السعودي أو التونسي وحتى العراقي لمّا كان الحليف المبجّل ضدّ إيران .إن المتتبع لسياسة الدولة الأمريكية منذ نشأنها ، يلاحظ أنّها تعمل بمقولة نيتشه '' على زاردوشترا أن يضع تصرفاته فوق اعتبارات الخير والشرّ''.ويعني هذا عمليا ألاّ يأبه القوي أن تكون أعماله موغلة في الشرّ وأن يتجه للخير بنفس البرودة لأنه لا قيمة للخير أو الشرّ إلا بما يحققان من نتائج .لقد كان وسيبقى هذا التوجه مفتاح فهم السياسة الأمريكية ويمكن تلخيصه في شعار كان وسيبقى شعار كل الأرستقراطيات المخفية على مرّ العصور : ''بالقيم وبنقيضها مصالحنا، مصالحنا، مصالحنا ليس إلاّ'' .هكذا حاربت الدولة الأمريكية النازية ودافعت عن ديمقراطية ألمانية تحمي رأس المال الأمريكي وتقف أمام الخطر السوفياتي. ثمّ نظّمت بعد بضع سنوات انقلابا ضدّ محمد مصدّق المنتخب ديمقراطيا من قبل شعبه لأنه تجرّأ على تهديد مصالح الشركات البترولية الأمريكية والبريطانية في إيران .هي اليوم لا تتردّد في التآمر على الرئيس العربي الوحيد المنتخب ديمقراطيا وهو عرفات. وبالمقابل نراها تقدّم لنا نماذج الديمقراطيين الذين تحبّهم الفاتحون لبلدانهم على ظهر الدبابات الأمريكية مثل كرزاي في أفغانستان والجلبي في العراق ''المحرّر'' وتبسط حمايتها على كل دكتاتور ينخرط في حربها ضدّ ما تسميه الإرهاب أي ردود الفعل العنيفة اليائسة للضحايا. ولمتسائل أن يتساءل يفتعل الجهل أو السذاجة: كيف يمكن لدولة ديمقراطية أن تحارب الديمقراطية بمثل هذه الإرادة الحديدية وبمثل هذا التواصل والشمول؟ والردّ البديهي الوحيد هو: لأن الدولة الأمريكية غير ديمقراطية. وكأنني بالقارئ في هذا الموضع من النصّ - حتّى ولو كان شديد الضغينة على الإدارة الأمريكية - يهزّ كتفيه. كيف يمكن إنكار مساهمة الدولة التي نتّهمها بأنها غير ديمقراطية، في نشر الديمقراطية عبر حروب مريرة، باردة أو ساخنة، أدّت إلى انهيار أكبر الأنظمة الشمولية التي عرفها القرن الماضي في ألمانيا وروسيا واليابان؟كيف ننكر أن هذه الدولة تمارس وتخضع لطقوس الديمقراطية مثل الانتخاب الحرّ والتداول على السلطة واستقلال القضاء الخ ليتقبّل القارئ الفاضل بقية الفكرة وله سديد النظر في ما بعد.بداهة أنت لا تستطيع أن تكون مسلما بالتعبّد ليلا للشيطان حتى ولو نطقت بالشهادة وصلّيت الخمس في أوقاتها وصمت ورتلت آيات القرآن بكرة وعشيا .فعبادتك للشيطان تلغي عنك أي علاقة بالإسلام لا ينفع في الأمر قيامك بطقوسه لما بينها وبين عبادة الشيطان من تناقض جذري . ومن يستطيع إقناع نفسه وإقناع الآخرين بأنه يجوز مع هذا تسمية عابد الشيطان مسلما إذا صلّى وصام فإنه يستطيع أن يقنع نفسه ويقنع الآخرين أن الإدارة الأمريكية ديمقراطية بما أنّها دولة تمارس وتخضع لكل طقوس الديمقراطية جهرا وتمارس سرّا كل طقوس الاستبداد من وراء ستار أصبح متزايد الشفافية. والقاعدة أنّ المنطق السليم يغلّب في حالة الازدواجية المفضوحة السلب على الإيجاب. فنحن لا نعتبر من يتّصف سلوكه بالتعامل البارد والظرفي مع الخير والشرّ بأنه نصف خيّر ونصف شرّير وإنما ثمة اتفاق بالقول أنه أخطر أنواع الشرّيرين وهو ما يسمح لنا بالقول أن التعرّض للديمقراطية السافر في الخارج والداخل ينفي عن الإدارة الأمريكية صفة النظام الديمقراطي رغم وجود كلّ ظواهر ممارستها، أنّها تتستّر بالديمقراطية كما تتستّر الدولة السعودية بالإسلام في إطار حاجة أرستقراطيات المال والسلاح والمخابرات التي تشكّل النواة الصلب لكل نظام استبدادي إلى غطاء ما. *** السؤال ما هي إذن الأيدولوجيا الحقيقية للإدارة الأمريكية؟ تكمن الإجابة في تتبع الثمار التي تريد السياسة الأمريكية أن تجنيها عندما تحاول زرع الديمقراطية في بلد ما أو على النقيض في فهم ما تريد منعه وهي تتصدّى بالقوّة أو بالتآمر لتجربة ديمقراطية في هذا البلد أو ذاك. سنة 1984 أسّس الكونجرس وكالة أطلق عليها اسم National endowment for democracy لتطوير الديمقراطية. لكن مهمتها /التي كانت تقوم بها وكالة الاستخبارات من قبل، لم تتجاوز توزيع الأموال على ما لا يحصى من الجمعيات المدنية في العالم لأغراض ''الدعوة'' وتدريب المتخلفين من أمثالنا على آليات الديمقراطية. وفي الواقع كما يقول'' وليام بلوم'' كانت جل هذه الأموال مخصصة للدراسات أو للتدخلات التي من شأنها تحسين الصلة بين العمّال وأرباب العمل أومحاربة الاشتراكية أو التطبيل لقداسة السوق. هنا يتدخّل محامي الشيطان ليتساءل: لكن هل هناك تناقض بين الليبرالية والديمقراطية ؟ أليستا وجهي نفس عملة النقد ؟ ألا تضع الليبرالية الحرية كحجر الزاوية في النظام السياسي في الوقت الذي تريدها أم القيم في ميدان تبادل السلع والأفكار ؟ إن هذا ما تريد أن توهمنا به الايدولوجيا الليبرالية لكن الواقع عكس ما تدعيه لأن الحرية التي تدعو إليها هي حرية الذئب في المدجنة ولا علاقة لها بالحرية كما تفهمها وتدعو لها الديمقراطية. يخطئ من يتصور أن التضييق المتزايد على الحريات بحجة حماية المجتمع الأمريكي وحتى الدولي من '' الإرهاب'' هو نتيجة أحداث 11 سبتمبر حيث انهارت فجأة الضمانات الدنيا للحريات الفردية والجماعية وعومل المشتبه فيهم كالحيوانات وتسلّحت الإدارة الأمريكية بقوانين لا تحسدها عليها أي من الدكتاتوريات العريقة . قلّ من ينتبه إلى مغزى المفارقة الغريبة التي تجعل رائدة الحرية في الخارج و راعيتها في الداخل هي نفس الدولة التي بنت على أراضيها ثلاثة آلاف سجن في العشرين سنة الأخيرة و الدولة التي تعرف أكبر نسبة سجناء في العالم حيث يعيش مليوني أمريكي في سبعة آلاف سجن و الدولة التي أصبحت فيها المتاجرة بعمل السجناء وبناء السجون وتعهّدها آخر مورد لليبرالية متوحشة لا يهمّها من أين تعتصر الدولار . أضف إلى هذا أن عنف هذه الدولة الذي تمارسه في الخارج لا يعكس سوى جزءا ضئيلا من العنف الداخلي الذي تتعهده . هل من ظاهرة أعمق على خلل عميق إن لم نقل على الجنون الصرف من تشريعها لحرية امتلاك السلاح والحال أن دور الدولة في كل مجتمع تطويق جيوب العنف وأسبابه . لكن يبدو أن الاثني عشر ألف طفل الذين قتلوا السنة الماضية بالرصاص ظاهرة لا قيمة لهم في دولة تعبد الله والشيطان في نفس الكنيسة . وبخصوص حرية الرأي التي تشكّل حجر الزاوية في النظام الديمقراطي، قامت الكاتبة الأمريكية ناتالي روبنس (2) بتوثيق المراقبة اللصيقة التي خضع لها طوال عقود كبار الكتاب الأمريكيين مثل همنجواي وترومان كابوت و ويليام فولكنر وبيرل بيك وأرثور ميلر وارزا باوند وغيرهم . كم كانت دهشتي كبيرة لما أبلغت سنة 2001 بحصولي على جائزة الكتاب المضطهدين وتحمل اسم كاتبين أمريكيين هما هامت وهلمان. وبالتنقيب عن تاريخ الرجل والمرأة اكتشفت أنهما تعرّضا في أمريكا الخمسينيات لما يتعرض له كل كاتب عربي من حبس وملاحقة وبنفس التهمة: معارضة النظام . لقد تطوّرت الممارسات القمعية إبان الفترة الماكرثية من الاستجواب والتشهير والمنع عن العمل إلى السجن والتهجير كما حصل لشارلي شابلن الذي لم تغفر له الأرستقراطيات المخفية وصفه للعمل في مصانع –محتشدات الليبرالية المتوحشة. لا غرابة في استهداف الكتاب والفنانين لأنهم قادرون وحدهم على فضح المسكوت عنه وهو انعدام الديمقراطية في الدولة الديمقراطية وحقيقة السلطة وطبيعة الماسكين بها . وبما أن تضليل الرعايا جزء من إستراتجية البقاء في سلطة الظلّ فلا أخطر على السلطة من المفكّرين الأحرار. هكذا استهدفوا في أمريكا مثلما استهدفوا في روسيا الشيوعية وألمانيا النازية لكن بطرق أقل فجاجة وأكثر خبثا إذ كانت الأرستقراطية المخفية بحاجة لوجودهم لإشاعة الوهم بوجود حرية غير حريتها ، وفي نفس الوقت كان لا بدّ لها من مراقبة هذه الحرية حتى لا تشكّل تهديدا لحريتها.وبخصوص جدّية الانتخابات في اختيار الحكّام الفعليين وبدون الرجوع لدور أباطرة الشركات الكبرى، فإنه من المفيد تذكّر ملحمة '' ادجار هوفر'' وهو رجل اتضح في ما بعد أنه كان من أكبر أساطين الفساد الأخلاقي والسياسي . لقد بقي هوفر على رأس مكتب التحقيقات الداخلي الأمريكي على امتداد عهود أربعة رؤساء منهم الذين ابتزّهم أو ساهم في تعيينهم. و في الوقت الذي كان الرؤساء يتتابعون بمعدّل رئيس جديد كل أربع أو ثماني سنوات يحاسبهم الشعب على الكبائر والصغائر، كان إمبراطور المخابرات ثابتا في موقعه يقود السياسة الحقيقية ولا يحاسبه أحد لأن الأغلبية الساحقة للشعب الأمريكي كانت تجهل وجوده ولم يتضح حجم سلطانه وفساده إلا ... للمؤرخين. وهذا الرجل قاعدة وليس استثناء حيث أن جزء كبير من السلطة في أيدي مثل هؤلاء الناس الذين لا يخضعون لطقوس الديمقراطية التمثيلية وأوهامها . وبينما تراهم يقودون مقاليد الأمور في الميادين الحساسة على امتداد العقود ترى مقاولي السياسة ومهرجيها الصغار يتخاصمون تحت أنظار الناس على كراسي وألقاب لنيابات قصيرة المدى. هذه الأرستقراطيات التي وضعت نفسها فوق وخارج ثنائية الخير والشرّ تستعملهما في آن واحد وبنسب مختلفة حسب الحاجة، هي النواة الصلب للنظام وهي اليوم أساسا الشركات الكبرى البترولية وغير البترولية التي يمثلها في البيت الأبيض ديك شيني وجورج بوش وكوندليبزا رايس. لنتذكّر هنا أن آباء الفكر الديمقراطي مثل لوك ومونتسكيو وروسو جعلوا من الفصل بين السلطات ضمان عدم تجدد الاستبداد وشرطه الأوّل . إلا أن ما تفصله الدولة الأمريكية هو السلطة السياسية على صعيد أفراد ومؤسسات، لكنها لا تفصل بين السلطة السياسية والاقتصادية في مستوى طبقة تستعمل المؤسسات السياسية لضمان مصالحها الاقتصادية وتستعمل سلطتها الاقتصادية لفرض سيادتها السياسية..هكذا تستطيع أن تلتفّ حول أهمّ ركن في الديمقراطية كما حلمها مفكرون لم يكن لهم أدنى فكرة عن القوة المالية الرهيبة التي ستمتلكها الأرستقراطية المخفية وكيف ستوظفها للحصول على السلطة السياسية أو توجيهها عن بعد. وعندما يتنطع ممثل ولو بمرتبة رئيس الولايات المتحدة فإنه يقع تصفيته جسديا كما وقع لكينيدي أو يجبر سريعا مثل كلينتون عن التخلّي على محاولة إيجاد تغطية اجتماعية ما لأربعين مليون أمريكي فقير. هكذا يتتابع الرؤساء والسياسة ثابتة لا تتغير إلا في التفاصيل. إن القاسم المشترك لضحايا التدخل الأمريكي هو دوما إرادة التحرّر الوطني والدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمجموعات البشرية الخاضعة للنهب والسلب من العصابات المحلية والوثيقة العلاقة بكبرى الشركات الدولية التي تشكّل الإدارة الأمريكية الحامي الأكبر لها. لكن مبدأ قياس التنمية الشاملة الذي تعتمده حاليا الأمم المتحدة ينطلق من الفكرة الأساسية أن الديمقراطية جزء من التنمية بما هي أداة هذه التنمية وظاهرة نجاحها في الميدان السياسي. هكذا تمّ ربط الديمقراطية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية. هذه الحقوق هي التي تحاربها الليبرالية في كل مكان في شكل التصدّي للحق النقابي والأجر العادل والضمان الاجتماعي ناهيك عن حق الشعوب في السيادة على مواردها الطبيعية وهذه كلها من الكبائر والعوائق والموبقات في الفكر الليبرالي الذي لا يؤمن إلا بحرية في تكديس الأرباح على حساب الأفراد والشعوب والطبيعة. ثمة إذن فرق كبير خلافا لما يتوهم البعض وما يخادع به البعض الآخر بين الدولة الليبرالية والدولة الديمقراطية. فهذه الأخيرة هي التعبير السياسي عن مصلحة الأغلبية، هي دولة الخدمات التعليمية والصحية والضمان الاجتماعي. هي دولة الحريات الفردية والجماعية التي لا تراقبها عشرات وكالات الاستخبارات والتجسّس. هي دولة ترتبط بالمجتمع بعلاقات جيّدة لا تخشاه ولا يخشاها. هي دولة تخضع للقانون الدولي وأحسن مثال لها ما نجد في البلدان السكندنافية شتّان بين هذه الدولة والدولة الليبرالية الأمريكية التي رفضت دوما إبرام المواثيق الدولية للحفاظ على البيئة أو على حقوق الإنسان أو على تتبع جرائم الحرب أو التجارة العادلة والتي تتدخّل عسكريا في كل مكان من الأرض باسم ايدولوجيا، ترفض المعونات لكي لا تعطّل قوانين السوق المقدّسة، لكنها تمنح دولارين لكل بقرة غربية في حين يعيش ثلث البشرية بدولار واحد. ها هي الدولة الأمريكية اليوم تعلن حتى خصخصة الأمن والتدخّل عبر ظاهرة جديدة آخذة في التفاقم لشركات تتخصص في الخدمات العسكرية التي ظنناها من اختصاص الدول وهي اليوم أداة التحكّم في مصير الأنظمة الخاضعة للحماية إن ضمنت مصالح الشركات الكبرى والابتزاز والتهديد إن مرقت (3). نحن اليوم نعايش ظهور شركات أمريكية تعدّ بالمئات ويديرها جنرالات أمريكيون متقاعدون ولها أسلحة من نوع قاذفات القنابل ب2 وأسلحة ثقيلة وجيوش خاصة من المرتزقة. هي تدخلت ولا تزال في أمريكا الجنوبية والشرق الأوسط وأفريقيا لخدمة المصالح الكبرى للشركات العملاقة التي تشكّل القاعدة السياسية الحقيقية للإدارة الأمريكية. وبالمناسبة نرجو من منظري الليبرالية إفهامنا أين هي آليات السوق التي ستجعل خدمات هذه الشركات توفّر الأمن والاستقرار بأبخس ثمن ممكن ولمصلحة أي مستهلك؟ كيف سيحصل التنافس الشريف والنزيه بينها لجني أرباح لا بدّ أن يكون لها علاقة ما بثمن الدم؟ أخيرا وليس آخرا لأي قانون تخضع مثل هذه الشركات خارج قانون الربح؟ ينذر ظهور هذه الشركات بأن الليبرالية دخلت في أخطر مراحل تطور كل عقيدة أي التوحّش وعدم تكّلف ثمن التقية والتمويه. ففي كل بداية تبدأ العقيدة كمنظومة فكرية تبحث عن تحرّر صادرته العقيدة الحاكمة. ثم هي تصبح بمرّ الزمان وبالتمكن السياسي أداة حكم تحقق جزءا من برنامجها الثوري وتقعدها حدودها وتعقيد العالم عن تحقيق الباقي. ثم يحصل نوع من التوازن بين الايجابيات والسلبيات تمكن من إطالة عمر العقيدة أحقابا وقرونا. تأتي المرحلة النهائية التي يتضح فشل المشروع الأوّل واستحالة التغطية على الفشل خاصة أمام بروز رؤى أكثر طراوة وأعداء أكثر شبابا وطموحا من الأعداء التقليديين.تتشنّج فيها آنذاك إرادة السيطرة والبقاء على كل المكونات الأخرى فتغدو عنفا أعمى بغطاء أيدولوجي بالغ الهشاشة لا يقنع إلا من أصرّ على الصمم والعمى كلّ هذا في خدمة طائفة تضيق رقعتها باطّراد. وكما مثّل المرحوم الاتحاد السوفياتي ذروة النظام الاشتراكي فإنّه يمكن اعتبار الولايات المتحدة الأمريكية هي ذروة النظام الليبرالي وقد تنتهي معه عندما يستنفذ هذا النظام كل طاقاته وعيوبه مثلما انتهى الاتحاد السوفياتي عندما أوصله نظامه السياسي إلى الهاوية بعد أن استنفذ كل طاقته وتمخّض عن كلّ موبقاته .وقد نكون بصدد معايشة هذه الفترة البالغة الخطورة في حياة الليبرالية والعالم بأسره يئن من غباءها ووحشيتها وهي تدمّر الطبيعة بجشعها والمجتمعات بتفجير الصراع الطبقي والديمقراطية بكل ما تقدر عليه من خبث وازدواجية. بداهة ما تريد الإدارة الأمريكية تصديره إلينا وإلى بقية العالم ليس الدولة الديمقراطية وإنما الدولة الليبرالية لتحافظ على مصالح حلفاء وعملاء الشركات الكبرى تحت غطاء شفاف من الطقوس الديمقراطية.فهذه الإدارة أوّل من يعلم أن آليات الديمقراطية الفعلية ستحمل للسلطة في كل أرجاء وطننا العربي القوى الإسلامية والقومية المتعطّشة للدفاع عن استقلال الأمّة وثرواتها. و لو استطاعت هذه الأخيرة تطعيم خطابها وممارستها بالقيم الديمقراطية لاستطاعت تسجيل تفوّق حضاري وليس فقط سياسي على الدولة الليبرالية التي أصبحت اليوم محلّ رفض متعاظم من عالم هي فيه أكثر من أيّ وقت مضى خطر على نموّه المتوازن و سلامه بالحروب الوقائية والدعوة الصريحة عبر أبواق مثل هنتنجتون إلى صراع الحضارات. ومما لا شكّ فيه أن المعركة قد اشتدّت في أمريكا نفسها بين الديمقراطية (التي يمثلها اشخاص مثل شومسكي و مايكل مور والقسّ جسّي جامس ومناضل البيئة رالف نادر الخ) والليبرالية (المتمثلة في أباطرة المال والسلاح والمخابرات). إن قدرة الشعب الأمريكي عبر ديناميكية مجتمعه المدني على الدفاع عن الديمقراطية في أرضه وفي الأرض هي التي ستحدّد الكثير من معالم المستقبل ولا يمكننا إلاّ أن نتعاطف مع هذه القوى وأن نرتبط بها بأحسن الارتباط وأن لا نترك أي مجال للخلط بين معاداتنا لليبرالية المتوحشة وأي معاداة للشعب الأمريكي الطيّب مثلما يجب أن نواصل الرفض التامّ بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية. كل هذا لأن المعركة عالمية وليست بين العرب وأمريكا أو بينها وبين الإسلام. فما زال أمامنا زمن طويل وأخطار متعددة حتى يتخلّص العالم من شبح الدولة الليبرالية المنفلتة من كل عقل وعقال . لنتذكّر دوما أن التدخلات العسكرية الأمريكية التي تعرّضنا لها في البداية وقعت طوال قرن شهد حركات تحررية قوية وكتلة اشتراكية حاولت حفظ شيء من التوازن في العلاقات الدولية. أمّا اليوم فنحن في مرحلة قد تطول وفد تقصر أصبحت فيها الدولة الأمريكية لا تخشى حسيبا أو رقيبا. وقد لا نجانب الصواب كثيرا لو قلنا أنه إذا كانت الفاشية والشيوعية ألدّ أعداء الديمقراطية في القرن الماضي فإن الإدارة الأمريكية والدولة الليبرالية التي تريد تصديرها لنا ستكون ألدّ أعدائها في هذا القرن. سبتمبر 2003 |